إنّ الطريقة التي يستجيب بها المدير لضغوطات
العمل لحظة حدوثها تترك أثراً لا يمحى بسهولة عند الموظفين، وإنّ رد الفعل الذي
يبديه هذا المدير حينها، يؤثّر بشكل كبير على أدائهم في طريقة الاستجابة للمشكلة،
وبالتالي على قدرة المؤسسة أو الشركة على تجاوز المشكلة وعدم تكرار حدوثها.
كثير من المدراء لا يفكرون بشكل
استباقي حول الطريقة المثلى للتعامل مع المشاكل عند حدوثها في المؤسسة أو الشركة، ولا
يضعون سيناريو مناسب لطريقة الاستجابة لها، وبالتالي عند حدوث المشكلة تسيطر عليهم
مشاعر الغضب، وتضعف قدرتهم في السيطرة على مشاعرهم، ويقل تركيزهم، ومن البديهي أن
ينتج عن ذلك قيام المدير باتخاذ سلسلة من القرارات المتعجلة والتي قد ينجم عنها
ضرر نفسي ومالي على الأفراد وعلى الشركة قد يكون بعضها ذي تأثير طويل الأمد.
أجرت جامعة هارفارد دراسة على أكثر من
1300 شخص لتحديد طريقة استجابة المدراء عند حدوث المشاكل، وتأثير سلوكهم حينها على
أداء الموظفين، وكانت النتائج على النحو التالي:
عند حدوث مشكلة فإنّه:
53% من القادة ينغلقون على أنفسهم.
45% تسيطر عليهم مشاعر القلق.
43% تسيطر عليهم مشاعر الغضب.
37% يتهربون من الواقع.
إذاً كيف أتعامل مع المشاكل دون أن أتعرض
لما سبق؟
سنستعرض مثالاً عملياً لنوضح الخطوات
العملية التي يمكن أن تساعدك على التعامل مع المشاكل عند حدوثها:
لنفترض أنه تم استدعاؤك لحضور اجتماع
مع أحد الزبائن، وقد كان مديرك والمدير العام متواجدين في ذلك الاجتماع أيضاً، ولنفترض
حدوث المشكلة التالية:
كانت الشركة وقعت عقدا مع هذا الزبون لتسليم
طلبية خلال وقت محدد.
وبما أنّ فريق عملك كان يعمل على تجهيز
هذه الطلبية ليتم تسليمها خلال 15 يوم، فلم تكن تفكر بأي شيء سلبي عند ذهابك
للاجتماع. ولكن جاءت الصدمة الكبيرة عندما تبين لك في الاجتماع أنّ العقد ينص على أنّ
زمن التسليم هو 10 أيام فقط! واليوم هو العاشر.
لا شك بأنّ هذا الموقف محرج جداً لك، وتذكر
أنّ مديرك والمدير العام كانا حاضرين في الاجتماع، ومن المتوقع جدا أن يكونا غاضبين
وأن يضعا المسؤولية عليك بالكامل وأن يطلبا إصلاح ما أفسدته في أسرع وقت ممكن.
السؤال المهم كيف تشعر الآن؟ وكيف
ستتصرف؟
لا بد أن تشعر بالغضب، وهو أمر طبيعي
في هذه الحالة، ولا بد أن تتوارد الأفكار بذهنك عن كيفية صب جام غضبك على مسؤول
العقود في القسم لديك، الذي أخبر مسؤول التشغيل أن فترة التسليم هي 10 أيام بدلا
عن 15 يوم، حتى أنك لا تستطيع أن تنتظر حتى تصل إلى مكتبه لتبدأ بالصراخ وتحميله
مسؤولية ما حدث، بل ومسؤولية أنّ فريق العمل سيضطر للعمل بعد ساعات الدوام وفي عطلة
نهاية الأسبوع أيضاَ.
توقف للحظة، هل هذا سيحل المشكلة؟ ما
هي عواقب هذا التصرف، هل هذا التصرف مقبول أخلاقيا؟ هل ستتصرف كما تصرف مديرك
والمدير العام؟ تذكر كم كنت متضايقاً عندما تحدثا معك بهذه الطريقة.
إذاً كيف أتصرف كقائد حكيم حين أتعرض لموقف
كهذا؟ فيما يلي 4 خطوات أساسية يجب أن تتبعها كلما حدثت لك مشكلة في مكان العمل:
1.
اهدأ واحتفظ برباطة جأشك وحدد ماذا تريد بالضبط:
في مثل هذه الحالة يغلب على معظم الناس
الشعور بالإهانة والغضب، وتبدأ مشاعر "الانتقام" من الموظف المسؤول عن
العقود بالظهور في ذهنك. ولكن تمهل للحظات قبل أن تسمح لعواطفك بالسيطرة على أفعالك،
توقف واسأل نفسك:
"ما هو الشيء الذي أريده فعلاً
على المدى الطويل لنفسي وللشخص المسؤول عن العقود ولفريق العمل وللشركة؟"
إنّ الإجابة على هذا السؤال تصبح البوصلة
التي تهتدي بها للتصرف في هذه الحالات، والهدف الذي يوجه أفعالك.
في غالب الأمر ستراودك الرغبة في أن
تثبت للموظف المسؤول عن التعاقد أنك غاضب، لكن هل هذا مثمر على المدى الطويل؟ هل
أدركت ما هي ردة فعله عندما يتعرض لتعنيفك؟
بدلاً من ذلك، اجلس وخذ نفساً عميقاً، وسيطر
على مشاعرك، وتذكر أنّ التصرف لحظة الغضب قد يعود بالضرر عليك وعلى الموظفين وعلى
الشركة.
2.
استعمل عقلك وسيطر على عاطفتك:
ركز تفكيرك ولا تشتته بلوم الآخرين على
الأخطاء التي ارتكبوها وأدت إلى حدوث تلك المشكلة، سيكون من السهل جعل مسؤول العقود
هو الشخص الشرير في نظر الجميع، وعندها سيبدأ جميع الموظفين المضطرين للعمل ساعات طويلة
خارج أوقات الدوام الرسمي بلومه، وستبدو أنت مثلهم ضحية الخطأ الشنيع الذي ارتكبه
هذا الموظف. والكارثة إن لم تحكم عقلك فستبرر لك عواطفك ما قمت به من تعنيف للموظف.
وتأمل الموقف الذي ستكون فيه وأنت تعنف
الموظف أمام زملائه ثم تبين للجميع أنك أنت السبب وراء هذه المشكلة، عندها لن تكون
في موقف جيد على الإطلاق.
إنّ القائد الحكيم يضبط مشاعره، ويحكّم
عقله، ويبدأ بالتفكير عن سبب المشكلة بدلا من اللوم. ابدأ بسؤال نفسك:
"لماذا قام الموظف بارتكاب هذا
الخطأ؟"
"لماذا لم ينتبه أحد لهذا الخطأ؟"
"هل هناك دور سلبي أقوم به يجعل
مثل هذا الخطأ يحدث؟"
إنّ هذه الأسئلة تنقلك من حالة الغضب
إلى حالة من الفضول لحل المشكلة، وتجعل منك قائدا حكيما أمام الآخرين بل وأكثر
فاعلية.
3.
ابدأ بجمع الحقائق المتعلقة بالمشكلة:
نظرا لأنّ الحقائق محايدة بطبيعتها ويمكن
التحقق منها، فهي تشكل أرضية صلبة ومشتركة لحل المشكلات. ومن أجل ذلك حدد الأشخاص
الذين يمتلكون البيانات والمعلومات المتعلقة بالمشكلة، وأنصت لهم بشكل ممتاز وهم يسردون
الوقائع، وسجلها في مكان واضح أمامك (على لوح أبيض مثلاً)، وتذكر أنه إذا كنت غاضبا
فإنّ تفكيرك لن يكون مركزا على ما يقوله المتحدث. أضف كافة الملاحظات على اللوح مع
التواريخ والأوقات والأماكن والظروف حسب الضرورة.
4.
ابدأ التفكير بطريقة حل المشكلة:
عندما تكون تحت الضغط ووظيفتك أو سمعتك
على المحك، كيف يمكن أن تجعل فريق العمل يعتقد أنه من الضروري القيام بالعمل خارج
أوقات الدوام الرسمي دون أن تجعل من غضبك وسيلة لتحقيق ذلك؟
أظهرت دراسات جامعة هارفارد أن فرق
العمل تعمل بجدية أكبر وبفاعلية إذا لم يفقد المدير أعصابه معهم. لذلك لا داعي
للتهديد، بل شارك نواياك الإيجابية بقول شيء مثل:
"نحن لا نلوم أحدا هنا، بل نحاول
إصلاح ما حدث، يجب أن نركز على كيفية حل مشكلتنا الآن. ثم أن نضمن ألاّ يحدث ذلك
مرة أخرى ".
اجمع فريق العمل وشاركهم الحقائق التي
جمعتها، والحلول التي تقترحها، قد يقدّم أحد الموظفين فكرة استثنائية يمكن من
خلالها حل المشكلة، لا وبل قد تخلق فرصة جديدة أيضاًـ
عند توضيح نواياك الإيجابية، فإنك تجعل
أعضاء فريقك يركزون على ما يجب أن يقوموا به، وليس التركيز على ما تعرضوا له من سوء
للمعاملة نتيجة غضبك.
تذكر دائما أنه قد تحل مشكلتك بالغضب والصراخ،
ولكن ستخلق مشاكل أعمق من ذلك تترسخ في مكان العمل وتكبر مع الأيام إلى أن تصل
بالشركة أو المؤسسة إلى مكان غير محمود.
المرجع الرئيسي:
https://hbr.org/2018/12/when-managers-break-down-under-pressure-so-do-their-teams